مقالات الرأي

الإنسانية بين الواجب الأخلاقي وازدواجية المعايير

خاص – شاهد

بقلم/ نور أحمد

من المفترض أن تكون المشاعر الإنسانية واحدة تجاه المواقف والقضايا التي تستحق التعاطف الإنساني، كالكوارث الطبيعية، أو الجرائم، أو المجازر، وغيرها من الحوادث والكوارث والأزمات.

لكننا اليوم في القرن الواحد والعشرين نعيش النفاق الإنساني بأبشع صوره، فضحايا يستحقون التعاطف بينما لا قيمة لضحايا آخرين، ومجرم يجب أن يحارب على جرائمه، بينما يعجز العالم بأسره عن إيقاف إجرام مجرم آخر، والأبشع من ذلك تحويل قضية وقلبها رأساً على عقب، ليصبح المجرم ضحيةً والضحية مجرماً.

انفجار بيروت مثال

تعاطف العالم، وأولهم السوريون، مع سكان بيروت الذين عاشوا لحظات يعيشها السوريون بشكل مستمر منذ تسع سنوات، تهافتت الدول بزيارات تضامنية وكل دولة تحاول أن تسبق الأخرى بمساعدات جوية أو بحرية أو برية.

بينما يعيش أكثر من مليون ونصف إنسان على الحدود السورية التركية في مخيمات لا تقي برداً ولا حراً، اغتصب قراهم مجرم فجّر فوق رؤوسهم ملايين الأطنان من المتفجرات دون أن يحاول أحد إيقافه، وكأن قادة العالم يعجزون عن بشار الأسد، وهم أنفسهم أخرجوه من لبنان بين عشية وضحاها، حين أرادوا.

أزمة المياه في الحسكة

انبرى العالم بعد سبات عميق على “أزمة مياه” في مدينة الحسكة، ينددون ويشجبون ما وصفوه بـ “قطع المياه عن المدينة من قبل تركيا وفصائل الجيش الوطني”، وبدأت الأبواق بتوجيه سهامها المسمومة في محاولة لقلب الحقائق التي تعتمدها “قسد” منذ احتلالها مناطق شرقي سوريا، لم يذكر أحد من تلك الأبواق أن “قسد” قطعت الكهرباء عن مدينة رأس العين، وهي التي تغذي محطة علوك التي منها تشرب مدينة الحسكة.

لم يشر أحد إلى الفاعل الحقيقي الذي يستغل كل حادثة لصالحه حتى لو كان هو المجرم فيها، فالتحالف الدولي حينها يصبح أصمّ وأبكم لا يرى الانتهاكات، رغم أنه هو الذي يرعاها ويديرها.

لم يوجه أحد أصابع الاتهام إلى إجرام”قسد” في قطع الكهرباء الذي تسبب بقطع المياه، فعمل العالم بالمثل القائل “تركوا الكرة ولحقوا السيقان”، لتتحول تلك الأصابع إلى الجيش الوطني ومن ورائه تركيا، باعتبار أنهما “الحلقة الأضعف”.

ليست المرة الأولى

على الرغم من أننا ضد جميع الانتهاكات التي يمارسها أي طرف من الأطراف المسلحة في سوريا، سواء كانت من الجيش الوطني الذي نريده جيشاً وطنياً لكل السوريين، أو من غيره، إلا أن السياسة العالمية والإقليمية تحاول دائماً تسليط الضوء على الأخطاء الفردية، وتجييرها لمصالح تخدم أطرافاً بعينها، وتصويرها على أنها نهج عام لمؤسسة الجيش الوطني، بينما هي نفسها تدعم مليشيات تمارس جميع أنواع الانتهاكات وبشهادة الأمم المتحدة، بدون أن نسمع انتقاداً واحداً من الجهة الداعمة أو محاولة لمنع تلك الانتهاكات.

دور الإعلام

ربما يعود الدور الأكبر إلى البروبوغندا الإعلامية والماكينة الموجهة، التي تشيطن من تريد، وتغض الطرف عمن تريد، إضافة إلى الأزمة التي تعيشها وسائل الإعلام الثورية، وحالة الانقسام الكبير لإرضاء الداعمين، كل ذلك تسبب بحالة من التشرذم التي تعكس انقسام المعارضة السياسية والعسكرية والتي تسببت بإطالة أمد بقاء النظام حتى اليوم.

“قسد” المجرم المدلل

أكد الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” أن قسد هي الأسوأ بين الأطراف المسلحة في سوريا، حيث تحتل المرتبة الأولى بتجنيد الأطفال، وذلك في تقرير صدر عن الأطفال والنزاع المسلح شهر آب الجاري، حول تجنيد الأطفال بـ 306 حالة، تليها هيئة تحرير الشام بـ 245 حالة”، بحسب التقرير.

وبحسب نفس التقرير احتلت “قسد” المرتبة الأولى كأسوأ أطراف النزاع في سوريا من حيث استخدام المدارس والمشافي لأغراض عسكرية، حيث سجَّل استخدامها 18 مرة من أصل 32 مرة، تليها قوات النظام بـ 13 مرة، وهيئة تحرير الشام بمرة واحدة.

رغم كل تلك الإحصائيات والتقارير عن الانتهاكات لم نسمع عبر وسائل الإعلام وصفحات الناشطين “الكيوت” أي انتقاد أو احتجاج حول تلك الممارسات.

لا يمكن بناء دولة مواطنة حقيقية تحفظ كرامة الإنسان السوري دون وضع النقاط على الحروف والإشارة إلى المجرم من قبل الجميع لوقف إجرامه ومحاسبته، لتتحقق العدالة المفقودة التي دفع من أجلها السوريون أغلى ما يملكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى